ترجمت المقالة بتصرف بواسطة: Alhanouf Alaadi

هامش: من الذكاء العاطفي أثناء المعارك، وأقصد المناقشات الجدلية، أن يتنبَّأ الذكي من خلال حدسه بأن النقاش أخذ يتصاعد إلى مستوى دموي، فإما أن يغتنم الغنائم وإلّا فإن السلامة أولوية، والاستسلام ”طيِّب“.

”فكَّرنا سوَيًا“

عِراك شريف أم عصف ذهني تقليدي؟

عند انتهاء الأخوين ويلبر وأورفيل رايت من رحلتهما الجويّة في مدينة كيتي هوك، احتفل الأمريكيون بهذا الوثاق الأخوي. نشآ الأخوان رايت وهما يلعبان سويًا، عملا سويًا في إنشاء صحيفة خاصة بهما وقاما بصناعة طائرة مع بعضهما البعض. حتى أنهما صرّحا بقولهما ”فكّرنا سويًا“.

هذه هي تصوُّراتنا عن الإبداع؛ مفعمٌ بالانسجام. 

الابتكار، كما نعتقد، شيء سحريّ يحدث حين يتناغم الناس مع بعضهم في نفس الوقت. فتمتزج ألحان روجرز مع كلمات هامرشتاين. وبسبب هذا الاعتقاد ، فإن إحدى القواعد الأساسية للعصف الذهني هو ”إقصاء النقد“؛ فتريد من الناس أن يبنوا أفكارهم على أفكار بعضهم باتِّساق عالٍ، لا على نقدها وتنقيحها وإلقاء الحجج عليها.

في الحقيقة .. عملية الإبداع لا تحدث بهذا الشكل! ومجموعات العصف الذهني التقليدية التي تمنع نقد الأفكار في الغالب لا تنتج شيء خلَّاق! اقرأ فريقك يؤدي العصف الذهني على نحو خاطئ

حين قالا الأخوان رايت أنهما فكَّرا سويًا ، ما كانا يقصدانه حقًا هو أنهما تجادلا معًا. فمثلًا: كان أحد قراراتهما المحورية هو تصميم مروحية لطائرتهما. فقد تشاجرا حوله لأسابيع، وغالبًا ما كانا يصرخان ذهابًا وإيابًا لساعات ممتدة. 

”بعد نقاشات محتدمة ، وجدنا أنفسنا في موقف مثير للسخرية حيث أن كل واحد منَّا أخذ ينحاز إلى جانب الآخر،“ قال أورفيل، ”لم نتفّق أكثر من ذلك منذ أن بدأ النقاش.“ بعد أن فنَّد كل واحد منها حجة الآخر، وصلا إلى تسوية وعندما بزغ الفجر عليهما أدركا أن كلاهما على خطأ. فلم يكونا بحاجة إلى مروحيَّة واحدة، بل إلى اثنتين، بحيث يمكن تدويرهما في اتجاهين متعاكسين لصنع نوع من الجناح الدوَّار.

”لا أعتقد أنهما كانا غاضبين حقًا،“ تعجَّبَ الميكانيكي الخاص بهما، 

”ولكن، بالتأكيد كانا منفعلان بشدَّة.“

مهارة أن تَسخن دون أن تغضب -أن تكون لديك حجةً جيدة ولا ”تشخصنها“- أمرٌ بالغ الأهمية في الحياة.

 (الفرق بين الصراع والجدال هو أن الصراع يتمحور حول فوز أحد الأطراف وإلحاق الهزيمة بالأخر win-lose situation والغرض منه إفحام الشخص ”وتسكيته“. في المقابل، يهدف الجدال المقصود هنا إلى محاولة لإقناع الطرف الآخر بأن لديك وجهة نظر أو حُجَّة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار وتقبل الرد عليها، وأن تصلا معًا إلى نقطة تسوية أو على الأقل شعور جيد win-win situation – وهي ما أقصد بالغنائم في هامش المقالة)

لكن القليل من الآباء يعلِّمون أطفالهم هذه المهارة. فنحن نريد أن نمنح أطفالنا الاستقرار، لذا نمنع الأشقاء من الجدال ونوقفهم في الحال ، ونخفي نحن جدالاتنا خلف أبواب موصدة. وبالتالي، إذا لم يتعرض الأطفال إلى أيٍ من هذا ، فسوف ينتهي بنا الأمر بالحد من إبداعهم.

إذا كان من النادر أن نرى مناقشة ساخنة، سنتعلم أن نشيح عن خطرها دائمًا. أن نشهد جدالًا ونشارك فيه، فهذا يساعدنا على أن نصبح أكثر صلابةً وتحمُّل. نحن بهذا نقوّي إرادتنا في خوض معارك لاذعة، وننمّي المهارة المطلوبة لكسب تلك المعارك والاستفادة منها ، ونتعلم الصمود أمام خسارة معركة اليوم دون أن نفقد عزيمتنا غدًا.

بالنسبة إلى الأخوين رايت ، كان الجدال ”طبع“ في العائلة، وأكثرهُ شراسةً كان مدعاةً للاستمتاع ، إلى جانب أنه كان أمرًا يُعنَى باحتوائه وحلِّه. ”أحب الشجار مع أورف.“ قال ويلبر. 

لم يكن الأخوان رايت وحدهما. فأعضاء فرقة The Beathes تجادلوا بحدَّة على الآلات الموسيقية، الكلمات والألحان. أيضًا، اشتبكت قائدة حركة حقوق المرأة إليزابيث ستانسون Elizabeth Cady Stanton مع ناشطة حقوق المرأة سوزان آنتوني Susan B. Anthony حول الطريقة الصحيحة للفوز بحق التصويت في أمريكا. تجادل ستيف جوبز Steve Jobs وستيف وزنياك Steve Wozniak باستمرار أثناء تصميم أول كمبيوتر من شركة آبل. 

لم ينجح أيٍ من هؤلاء ”على الرغم“ من الدراما ، ولكن ”بسببها“.

إنّ مجموعات العصف الذهني تولِّد أفكارًا أكثر بنسبة 16% فقط عندما ينتقد الأعضاء أفكار بعضهم البعض. الأفكار الأكثر إبداعًا في شركات التكنولوجيا الصينية وأفضل القرارات في المستشفيات الأميريكية تَنتُج من فِرَق تخالفت كثيرًا في وقت مبكر. والمختبرات المتطورة في علم الأحياء الدقيقة ليست مليئة بمتعاونين متحمسين يهتفون لبعضهم ولكن بعلماء مشكِّكين يتحدَّون التفسيرات الصادرة من بعضهم البعض.

إذا لم يكن هناك من يحاجج وينتقد الأفكار بحجة معقولة وليس من أجل النقد المحض، فمن غير المحتمل أن يتم التخلي عن الأساليب التقليدية في القيام بأمور الحياة، ناهيك عن تجربة طرق جديدة! النقاش الناقد هو ترياق التفكير الجماعي. فنحن نكون في أعلى سلِّم الخيال لدينا حين نقف في الضفة المقابلة من أفكار الآخرين.

ليس هناك وقت أفضل من مرحلة الطفولة لتعلُّم كيف تتخلص من جدال، وتستفيد منه في وقت واحد.

بينما كان صامويل جونسون Samuel Johnson يكبر، كانا والداه يتجادلان باستمرار. ومرةً وصف الأسرة بأنها: ”مملكة صغيرة ، منشقَّة بالطوائف ومعرَّضة للثورات،“. استمر صامويل في كتابة أحد أعظم القواميس في التاريخ ، والذي كان له تأثيرًا دائمًا على اللغة الإنجليزية ، ولم يتم استبداله حتى ظهر قاموس أكسفورد الإنجليزي بعد أكثر من قرن. من يا ترى سيمتلك حماسةً وتحفيزًا في تنظيم لغة فوضوية أكثر من شخص تعجُّ أسرته بها؟

يحتاج الأطفال إلى تعلم قيمة النقاش المثمر. بكل أسف، الكثير من الآباء يعلِّمون أبناءهم الصمت إذا اختلفوا مع أحد ما ، بداعي التهذيب. كلام فارغ! ماذا لو علَّمنا الأطفال أن الصمت سلوك سيء؟! إنه لا يحترم قدرة الشخص الآخر على الخوض في جدال متحضِّر – ولا يحترم قيمة وجهة نظرك الخاصة ولا صوتك. إنها علامة احترام أن تهتم برأي شخص ما بحيث تُريه أنك على استعداد للرد عليه -بأسلوب مهذب- ، وللأخذ والعطاء معه.

يمكننا أيضًا المساعدة في هذا الأمر من خلال وجود نقاشات علنية أمام أطفالنا. يخفي معظم الآباء صراعاتهم لأنهم يريدون تشكيل جَبهة موحَّدة ولا يريدون أن يقلق الأطفال. لكن عندما يختلف الآباء مع بعضهم البعض ويبحثون سويًا عن حل للخلاف أمام أطفالهم ، يتعلم الأطفال التفكير بأنفسهم ، يكتشفون أنه لا توجد سلطة تحتكر الحقيقة. ويصبحون أكثر تحمُّلًا وانفتاحًا لتعدُّد التفسيرات والآراء. وبدلاً من الاتفاق مع آراء الآخرين والتسليم لها ، سيعتمدون على حُكمهم المستقل. 

إلى جانب ذلك، عندما تجعل طفلك يشاهدك تناقش بشكل بنَّاء سيتعلم فعل ذلك بينما يكبر. فمثلًا ”عندما تستمع لكي تفهم، وتظهر للطرف المقابل أنك استمعت إليه من خلال طرح أسئلة حقيقية وتلخيص ما قيل ، يمكن أن تنخفض العداوة وموقف الدفاع عند المتحدث. وسيتسبب ذلك في حثّ الشخص الآخر أيضًا إلى الاستماع إليك بنفس الطريقة. القيام بهذا السلوك أثناء النقاش قد يكون بداية لبناء الثقة في المواقف العصيبة ويجعل الأطراف يشعرون بالاحترام، الوصال والتمكين.“ اطلع هنا

الأمر يتطلب مرونة نفسية عالية أن تخوض جدال ما مع الإبقاء على الوُد -كما حصل في الأمثلة السابقة- دون أن تهضم حقَّ الطرف الآخر في نقد أفكارك.

إنها مسألة كيف لا كم

لا يبدو أن عدد المرات التي يختلف فيها الوالدان مع بعضهم أمرٌ مهم. ما يجب اعتباره هو كيف يتعاملون مع الجدال عند حدوثه. يميل الإبداع إلى النمو -كما وَجد عالم النفس السيد آلبرت Albert- في العائلات التي وصفها بـ: ”متأرجحة ولكن آمنة“. في دراسة حديثة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و 7 سنوات ، فإن الذين تجادل آباءهم بطريقةٍ بنَّاءة ، كانوا أكثر أمانًا من نواحي عاطفية. وعلى مدى السنوات الثلاث التالية ، أظهر هؤلاء الأطفال قدرًا أكبر من التعاطف والاهتمام بالآخرين. لقد كانوا أكثر ودًا ومساعدة تجاه زملائهم في المدرسة.

بدلاً من محاولة منعه، يجب أن نكون قدوة للجدال المتحضر الذي يمنح كل طرف حقه وأن نعلِّم الأطفال كيف يخوضون نقاشات صحيَّة.

يمكننا أن نبدأ بأربع قواعد:

  • تعامل معها على أنها مناقشة جديَّة وليست ”مضاربة“ ودعوى للاحتقان.
  • ناقش كما لو كنت على حق ، وأنصِت كما لو كنت مخطئ.
  • فسّر وجهة نظر الطرف الآخر باحترام.
  • اعترف بالمواضع التي تتفق فيها مع منتقديك وما تعلمته منهم.

الجدالات الجيِّدة متذبذبة بطبيعتها. قد يتأرجح فريق أو أسرة يمنةً ويسرةً ولكن لا ينقلبون أبدًا. إذا لم يتعلم الأطفال التمايل ، فلن يتعلموا المشي أبدًا؛ سينتهي بهم الأمر واقفين في مكان واحد.

انتهى


:المقالة الأصلية

(Kids, Would You Please Start Fighting?)

مصدر صورة المقالة: Robin Lewallen for NPR

مصدر صور الأخوان رايت: https://www.almrsal.com/post/737697

 

Jeremy Cartoon

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s