كتب بواسطة: Alhanouf Alaadi

تخيَّل أن هناك ملاذ آمن حيث تحتفظ فيه بأعمق ما يجتاحك من أفكار وخواطر دون أن يطَّلع عليها أحدٌ ما إلا إذا سمحت له! التدوين/الكتابة هو أحد الأدوات التي تلبِّي ذلك.

الكثير من الناس يخلطون بين كتابة المذكِّرات diaries وكتابة اليَوميات journals رغم تشابه المسميَّان وتقاربهمها إلا أن لكل واحدة منها استخدام مختلف.

كتابة المذكِّرات تقتصر على تسجيل الحدث عند حدوثه أو تدوين ما تريد تذكّره؛ كالأنشطة الروتينية وكيف قضيت يومك ، وكيف تريد تخطيط مستقبلك ، مثلًا: تسجيل تواريخ مكان ما قمت بزيارته أو تريد زيارته لاحقًا. 

واليوميات لها معانٍ متعددة وقد تكون مرادفة للمذكِّرات ولكنها أكثر شخصيةً منها، تُقصد لاكتشاف الأفكار والمشاعر والتحديات الواقعة خلف الأحداث والغوص فيها بشيء من التفصيل والعمق والتحرِّي.

من خلال تجربتي، الكثير من الأحداث المحمَّلة بالأفكار والمشاعر لم أستطع تفكيكها واجتيازها إلا عن طريق الكتابة، فتدوين اليوميات أو Journaling بمثابة صديق بديل لا يُمانع أن يستقبل مني أي شيء عاجل يخطر ببالي، فليس من المعقول أن أحدِّث أصدقائي بكل شاردةٍ وواردة لا معنى لها كما أفعل حين أخربش على دفتري، وهذا يسمح للكتابة بأن تصبح أسهل وسيلة للتعبير عن كل شيء يتعذر قوله لأحد. ليس بالضرورة أن يكون كلامًا سريًا ولكن ربما بسبب عشوائيَّته ولضرورة رصده في الحال ليُحفظ من التلاشي من الذاكرة قصيرة الأمد ، وحسنًا.. أحيانًا لخصوصِيّته.

ليس هناك عذابٌ أعظم من تحمُّل قصة غير مرويَّة بداخلك.

مايا أنجيلو

لماذا بدأت في كتابة اليوميات؟ 

لا أتذكر تحديدًا متى أضاءتْ فكرة أنّني يجب أن أكتب حتى أتخلَّص مما لا أستطيع حبسه بداخلي وليس له حيِّز في مسامع الآخرين، ولكنني كنت أدوِّن اليوميات منذ مرحلة المراهقة تقريبًا. كانت لدي بعض الدوافع الملحة للبدء، فضلًا عن اهتمامي بالكتابة، فأنا لا أنسى حصص التعبير المدرسية التي ”بدَّعت“ فيها وأطلقت العنان لقلمي شغفًا وحبًا، فإن الرغبة بالتفريغ في ظل ظروف طارئة بسبب طبيعتي التي لا تميل دائمًا إلى التنفيس بالحديث مع الآخرين؛ هي أحد الدوافع الرئيسية، فوجدت في دفتري مساحة حُرّة ومتاحة لي في أي وقت. من الدوافع أيضًا هو حرصي على الاحتفاظ بتفاصيل انطباعاتي، تجاربي وأفكاري؛ حتى يتسنَّى لي العودة إليها بعد مدةٍ لتقييمها -على السريع-. مازلت أجد المتعة حين ألقي نظرة على تدويني القديم؛ لأُقارن بيني في الماضي وبيني الآن. 

ماذا جنيتُ من كتابة اليوميات!

يمكنني القول أنني التمست بعض الفوائد من كتابة اليوميات ساهمتْ في تحسين طريقة إدراكي لذاتي ولحياتي ومايحدث بينهما. وهنا أطرح من تجربتي الشخصية لماذا يجب أن تبدأ بكتابة اليوميات.

١- تصفية الذهن

كثيرة هي الأوقات التي نمر فيها بالتَّشويش والثقل وتصبح أذهاننا غير صافية بل ونشعر أنّ ما بداخلها فوضى متكدسة ونحتاج فيها أن نفرّغ؛ لأجل أن نشعر بالخفة، شخصيًا أمر بهذه الحالة بشكل متكرر ووجدت أن الكتابة طريقة عملية تساعدني على التعافي الذهني وبالأخص إذا كان ما يثقلني هو أمر لا أحب الحديث عنه مع أحد. أقصد بالتفريغ: محاولة نقل ما يثير انزعاجي في الداخل إلى الخارج على شكل عبارات حتى وإن كانت غير متَّسقة. دفترك هو الصديق الصامت الذي سيستمع إليك متى ما أردت ولن ينتقدك أو يقاطعك.

الكتابة تساعد على تقليل الضغوط التي يجب أن يعالجها الدماغ، أظهرت الدراسات أن الكتابة التعبيرية يمكن أن تقلِّل عدد مرات زيارة الأشخاص للطبيب.

 الكتابة أيضًا تخفِّف المشاعر السلبية التي تحاصرني بين حين وآخر مما ساعدني على الحظي بمزاج صافٍ نسبيًا، فبالنسبة إلي، مجرد كتابتها دون السعي إلى حلها هي خطوة أوَّلية إلى الحل.

صفحة من دفتر يومياتي التي كتبت فيها لغرض التوصُّل إلى حل.

٢- حَل المُشكلات 

إنَّ دراسة المسائل التي تشكُل عليك بهدف فحص جذورها عن طريق الكتابة هي أحد الحلول المستفادة من كتابة اليوميات، فعند شروعك على وضع المشكلة أو الخطب في قالب الكلمات يضيف لها عنصر الوضوح؛ بدلًا من أن تكون عائمة في ذهنك لا تستطيع تحديدها للإمساك بها. معظم الناس الذي يشتكون من صعوبة تحديد مشكلاتهم رغم علمهم بوجود مشكلة يواجهون معضلة غموض المشاعر المصاحب لها، لذلك أعتبر التعبير بالكتابة مخرج فوري لإشكالية عوم الأفكار، وطريقة مثلى لفصل ما يتشابك في داخلك. 

إن الكتابة بوعي أشبه بوضع المشكلة تحت المجهر والتعرف عليها ولا أقول ذلك مبالغة، أحد تجاربي مع الكتابة هو أنني مَررت بفترة زمنية كنت فيها مُشوَّشة للغاية ولم أكن أستطيع تحديد الخطب! ففتحتُ دفتري وكتبت جميع الاحتمالات التي من الممكن أن تكون هي السبب، كتبت حتى الأسباب التي اعتقدت أنها بعيدة، ثم عدتُّ إلى قراءة الاحتمالات والفَرْز باستبعاد ما يستحيل أن يكون هو -بناء على شعوري تجاهه- وأخيرًا وجدتُّ أحدها قريب جدا مما كنت أبحث عنه.

لقد كان السبب هو حالة الشعور بـ”الفوات“، بأن كل شيء يفوتني، بأنني لم أتمكن من ”التوفيق“ و“الموازنة“ بين حياتي وراحتي وكل شيء أريد مطالعته أو قراءته أو البحث عنه مما جعلني -هذا الإحساس الكاذب بالفوات- أشعر بالاستنزاف، ولأنني أيضًا تلك الفترة كنت متحمِّسة للقيام بالكثير من الأمور معًا وتابعت عدد كبير من المدونات الرائعة التي انهالت علي بالرسائل الالكترونية لقراءة جديدها، لكنني فشلت بالطبع! وأُصبت بانخفاض طاقي هائل؛ لأنني كلَّفت نفسي فوق طاقتها ووعدتها بالاطلاع على كمية غير معقولة من كل منشور لفت انتباهي فقط حتى أبقى مع الجميع ولا أشعر أنني منعزلة عن المتداوَل. بالتالي أدركتُ من خلال تدوين أفكاري ووضعها أمامي أن هذا بالتحديد ما أصابني بإحباط شديد منعني من الاستمتاع بوقتي وأداء عملي كما يجب.  

أعتقد أن الكثيرون يعانون من شعور الفوات أو كما يسمى بمتلازمة فومو FOMO، نظرًا لوقت نحن معرّضون فيه لفيض ضخم من المعلومات والتوصيات التي نريد أن نلقي نظرة عليها.

وكما قال هارفي ماكاي Harvey Mackay: ”لايمكنك امتلاك الوقت لكن يمكنك استخدامه“.

 نعم ليس لدينا سلطة كاملة على الوقت كي نمدِّده ونقلِّصه كيفما نحب! لكن أن نستخدمه بحكمة دون أن ننسى نصيبنا من الحياة وعنايتنا بذواتنا هو أمر مطلوب. عمومًا، تخلَّصتُ من فكرة أنه يجب علي اللحاق بكل شيء أعجبني وقلَّلت من عدد المصادر الجذابة التي أتعرض لها كل يوم، لأستطيع تنظيم وقتي بحيث أطّلع على عدد معقول بشكل منظم بحسب أولويته وحتى لا أشعر أنني متأخرة عن سباق الحياة المعاصرة.

٣- تركيز = التزام ، اثنين في واحد

الأثر المرجو من عملية الكتابة قد يكون فوري إذا كان لغرض ”الفضفضة“ العاجلة أو قد يحدث بشكل تراكمي وبطيء وتلتمس أثره مع الأيام. 

يمكنني القول أن الكتابة المستمرة رفعت من معدَّل تركيزي؛ بسبب أنها درَّبتني على حصر نشاطي الذهني على مَهمّة واحدة عند القيام بها وبالتالي نتائج أفضل. إنها تخلق حالة اتّصال بين العقل اللاواعي والواعي مما يؤدي إلى الآثار المذكورة في هذه الدراسة التي تستنج ما يلي: 

”يمكن لممارسة الكتابة أن تعزز استيعاب الدماغ للمعلومات ومعالجتها والاحتفاظ بها واستعادتها … فهي تعزز التركيز الذهني للدماغ … وتعزز الذاكرة طويلة المدى ، وتمنح الدماغ وقتًا للتفكير والانعكاس ، وعندما يتم توجيهها بشكل جيد ، تكون مصدر النمو المعرفي وتحفيز الإدراك“ 

وهنا سأشتق فائدة جانبية من فائدة التركيز عند كتابة اليوميات وهي: الالتزام 

من خلال تجربتي، عندما أكتب أهدافي أرى أن مجرد كتابتي لها أشبه بتعهُّد على الوفاء بها بدلًا من الاحتفاظ بها في مخيلتي، فأنا لا أعوُّل على ذاكرتي كثيرًا. فعند وضع أهداف معينة أود التركيز عليها لفترة مقبلة، أكتبها، لسببين: الأول، لأصبغ عليها نوعًا من الجديَّة وبالتالي أشعر بنوع من الالتزام تجاهها. الثاني: لأن الكتابة تذكرني بوجود محفزات أخرى لهدفي لم أنتبه لها.

٤- وأخيرًا، الإلهام وتطور المهارة

لو أن الكتابة إنسانًا.. لشكرتُه! من بين المزايا التي لمستُها من كتابة اليوميات، كان الإلهَام أجملها! فليس بالضرورة أن يكون هناك شخص أو حدث يلهمك، إن مجرد تهيئة نفسك للكتابة ومسك قلمك والبدء بأول كلمة سوف يولِّد عشرات الكلمات التي تليها ، إن الكتابة بحد ذاتها مصدر إلهام، ليس دائماً، ولكن يحدث كثيرًا. 

جربتُ أن أغمض عيني ولا أنظر إلى الورقة وبدأت أكتب وأكتب ولا أعرف ماذا أكتب ولم أنتهِ إلا عند نهاية الصفحة، فقط كنت أنساب مع قلمي كما يفعل عازف البيانو حينما يَرتجل نغمة موسيقية. وبعد أن فتحتُ عيناي لأقرأ ما كتبت، ويا لها من مفاجأة! لم أفهم مالذي كُتب! بالطبع كانت جملًا شبه مترابطة ولكن غير مكتملة وتطلَّبت الكثير من التعديلات، لكن تلك الأفكار كانت بذورًا لأفكار أخرى تولَّدت لاحقًا. أحب الإلهام حين يغتنم الفرص الفوضوية ليظهر. 

لاحظت بعد مرور وقت من الاعتياد على تدوين يومياتي أن مهارة الكتابة لدي تطوَّرت، وأسلوبي في التعبير تحسَّن. برهَنتْ ذلك كتاباتي القديمة، لذلك أنصحك ألا تتخلَّص مما كتبتَ سابقًا؛ ليمكنك من المقارنة ورؤية الفرق وحتى تشهد بنفسك عملية نمو مهاراتك.

“Preserve your memories, keep them well, what you forget you can never retell.”

Louisa May Alcott

كيف أكتب يومياتي، ومتى أحتاج للكتابة؟

الخطوة الأولى لبدء تدوين اليوميات هي أن أخلق بيئة ملائمة وهادئة، وأُحضر مشروب المفضل (القهوة)، وأختار توقيت مناسب، وأحاول الانتظام لكن بكل أمانة لا أكتب كل يوم حرفيًا، فأنا مستمرة بشكل متقطع. لا بأس أن يستغرق وقت الكتابة ١٠ دقائق فقط في البداية، وستزداد حينما تعتاد ذاتك على التعبير عن نفسها. وكحد أقصى: ٤٥ دقيقة إلى ساعة في الحالات التي تتطلب جلسة استجواب مع النفس.

الخطوة الثانية: أُحضر دفتر أحب تخصيصه لليوميات، أو لوحة المفاتيح.

الخطوة الثالثة: أسأل نفسي سؤالين: كيف أشعر اليوم؟ ولماذا؟ ثم أبدأ بتفكيك الأفكار التي أكتبها. لا أركِّز على شكل الكلمات ولا بنية الجمل أو القواعد النحوية والإملائية، فهذا آخر ما أفكر فيه. وأحيانًا أكتب بالعاميّة، و“أسولف مع نفسي“. إنها لحظات انعتاق لا تحضير بحث علمي.

هل لو كانت حياة المرء جيدة لا يحتاج للكتابة؟

 لا. ولا يجب أن تكون أيام المرء مأساوية حتى يكتب، ولا ينبغي أن يواجه صعاب ومشاكل ليكتب، فحتى في الأيام الجيدة المستقرة يمكنه أن يكتب ليعبر عن امتنانه تجاه ما يحصل بداخله وحوله وليجعل مشاعره ترى النور؛ إن لهذا أثر سحري في فهم الذات وتطويرها ولا يقتصر على التنفيس وحل المشكلات.

الكتابة على ورقة أم الكتابة على لوحة المفاتيح؟

حسنًا، هذه المسألة تختلف من شخص إلى آخر بحسب تفضيلاته. جربت الكتابة بخط اليد والكتابة الرقمية وأجد أنني أكتب بشكل أفضل وأعمق عندما أمسك القلم وأكتب على ورقة، ألاحظ انهمار الأفكار بالطريقة التقليدية للكتابة فضلًا عن مرونة التعديل باستخدام دفاتر مخصصة أو دفاتر عادية للكتابة العشوائية. 

ولست وحدي من يجد الكتابة باليد أكثر فاعلية، هناك دراسات تثني على الكتابة بخط اليد. 

 أضيف على ذلك، الكتابة اليدوية بقلم وورقة في كثير من الأحيان تنافس التأمل. يخبرنا الكاتب مايكل بيترزاك Michael Pietrzack من تجربته الشخصية في كتابة يومياته بخط اليد أنه وجد أن ممارسة الكتابة يزيد من التركيز والاستجابة الحركية في الدماغ، وهو ما لوحِظ أيضًا عند ممارسة التأمُّل. اطلِّع

وبالتأكيد، كثيرًا ما أضطر لتدوين أفكاري بجهاز الهاتف في برنامج نوتس الاعتيادي على الآيفون أو تطبيق DayOne حين أكون خارج المنزل، أو في وضع مستعجل. وشخصيًا أفضلها بشكل أقلّ لأنني أتعرض للتشتيت من إشعارات البرامج الأخرى وللأسف كثيرًا ما أقع فريستها وأنسى ما كنت أرغب بتدوينه.

إن لكلٍ من التدوين الورقي أو الرقمي مميزات وعيوب، ومرة أخرى، يعتمد على ما يفضله كل واحد منا.

هل أنت مستعد لبدء رحلة تدوين اليوميات وجَني ثمارها؟

انتهى


مصدر الصور: Unsplash

للاستفادة: 

:دراسات تشير على أن الكتابة وسيلة علاجية وتقوي جهاز المناعة

https://www.apa.org/monitor/jun02/writing

https://www.syr-res.com/article/21829.html


آخر التدوينات:

رأيان حول “كيف تساهم عادة تدوين اليوميات في حل المشكلات وإثارة الإلهام وغيرها؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s